أحمد ياسوف

28

دراسات فنيه في القرآن الكريم

تتمتع الكلمة في المضمار الأدبي بثنائية الشكل والمضمون ، كأي نص آخر ، ولكن يتضح في السياق الأدبي الراقي والنص الناجح أن الشكل ليس زخرفة بالية ، بل يساند المضمون الفكري ويحتويه تمام الاحتواء ، ومؤيدات هذا التلاحم ، وهذا التلاؤم المنسجم بين الطرفين الصوت والرمز تنبع من النص نفسه . وتنطلق الأحكام من خلال تفاعل المفردة مع الجوار في خضم المفردات ، وهي تصافح حاسة السمع قبل أن تطرق باب المشاعر ، أي قبل ترجمتها في سجل الوعي ، ذلك لأنها مادة صوتية أولا ، ورمز فكر في الدرجة الثانية . وقد جنح الشعر الحديث كثيرا إلى الموسيقا الداخلية المتوخّاة في طيات الكلمات وإيقاعها التركيبي وجرس حروفها ، واستعاض بهذا عن الوزن والقافية ، والأديب البارع من يوظّف القيمة الصوتية في رسم المعاني ويشخصها للمتلقي ، لأن الإيقاع ينبغي أن يمثل الموقف الشعوري ، ولن يبلغ شأو القرآن الذي وقّف في مفرداته بين جمال الفكر وجمال الموسيقا وجمال التصوير وموافقة المواقف ، مما يحتم تعددية أوجه الجمال في المفردة القرآنية . والاهتمام بجمال صوت المفردة يعني الاهتمام بالصورة الأولى أول ما تتلقف الحواس البشرية ، تأتي بعد هذا الصورة الثانية وهي ما تحمل المفردة من مفاهيم وما تصور في الذهن من موجودات روحية وحسية . هذا الاهتمام الموسيقى قديم قدم الأدب العربي ، ولطالما جنح النقاد ودارسو الإعجاز القرآني إلى استحباب ألفاظ لمجرد حلاوة نغمتها ، وكان ذلك منهم دونما توهم يربط بين الصوت والمعنى ، فالصوت في ذاته تجريدي ، وسنمر بكثير من تعليقات الدارسين على الجمال الموسيقى .